توّنا ما أروعك
والليل بأول شبابه، يوم طاب السهر.. وش عجّلك بالرحيل..♫
كنت في الصف الخامس ابتدائي، وهذا العمر في طفولتي مثل الحجر الشعوري المحفور.. عمرٌ شعرت فيه بكل المشاعر بقوة غير مسبوقة.. ربما اكتملت طفولتي في تلك المرحلة تحديدًا من عمري، وبدأت خوض أدوار الإدراك والتحليل والتوخّي المسموم بطباع "الكبار" بعينين تلحظ كل لفتة وأنا لا زلت وسط "الصغار".. لا أظن أن ذلك حدث لي وحدي، بل كثيرًا ما سمعت من آخرين أنهم في مرحلة الصف الرابع والخامس ابتدائي شعروا لأول مرة بشعور عميق أو باكتئاب. فيبدو أنها مرحلة ذات طفرة من طفرات النضج التي نقطع بها في مسيرة الحياة، مثلها مثل عمر السابعة عشر، والخامسة والعشرون والثلاثون وهلمّ جرى..
شخصيًا، أكثر من أعطف عليه من الأطفال هم من يمرون بهذه المرحلة العمرية، هي مرحلة تكليف لسبب.. آمل أن يتخطوها بحب وسلام
وليكُن..
في أحد الليالي في عطلة الصيف اللطيف في حائل، في مزرعة الأسرة التي كانت تضج بأحفاد وأجداد وما اتصل بينهم، ولي من بينهم بضع صديقات من بنات العمومة. أحدهم شق توأم، مُشرقة الروح والمبسم، ولطالما كنت أجدها الأجمل من بين الأخريات. أُحبها. وبعد قضاء يوم بليلته من الأسرار واللعب والطعام والسماء الصافية والمزرعة، حان موعد العودة للمنزل.
أخبرت بنات العم بأني مغادرة وسبقتني أمي باتجاه المخرج بخطى مسرعة ذات وقع رتيب؛ "تشِك تشِك تشِك".. لانغراس الخطى في تربة "البطحا" الممتدة التي تتميز بها المزارع هُناك. وكنت ذات اللحظة أقف متأهبة قصدَ عتبات ترتفع بقمتها "دكّة" واسعة جدًا، وكانت تلك ابنة العم الحُلوة تقف على الطرف المقابل لي رأس العتبات أعلاها ليرتفع لها ناظري. فغنّت لي ردًا على رحيلي بأحد أغاني الرائع "راشد الفارس". ردّدَت:" تونا تونا.. تونا ما أروعك، واللي بأول شبابه، يوم طاب السهر؟ وش عجلك بالرحيل؟"
غنّت بصوت مرتفع، تنظر إلي وهي تلوّح بيديها مثلما يلوح المغنّون بأيديهم على ترانيم النغم. غنّت بابتسامة جميلة وشعر أسود ناعم مسدول تلمع أطرافه برقّة طبيعية كانت تتميز بها. أكتب هنا لأصف ما شعرت به في تلك اللحظة في مرحلة كنت أحس فيها بكل شعور بعمق لم يسبق أن شعرت به. لم أرى عيناي، لكني أعلم أنها لمعت كالنجوم، وأعلم أنه ارتسم على ملامحي ذهول سعيد. كانت تغني لي لأبقى. كم وددت لو بقيت.
غنّت لي، وبالتأكيد غنّت لغيري من بعدي ولم يكن يهمني ذلك- على الرغم من أنها فكرة راودتني وأنا متجهة للمخرج. حظيت وأن غنّى لي عزيزون قبلها، وربما بعدها.. لكن عفوية وصدق هذه راسخة، وكثيرًا ما أتذكرها وأبتسم.
رابط الأغنية: https://youtu.be/vXPFeO4qjcc?si=B5Nn-Up4lq-abmRK
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق